يمثل اليوم الدولي للمرأة في الدبلوماسية مناسبةً مهمة لتسليط الضوء على الدور المتنامي الذي تضطلع به المرأة في صياغة السياسات الخارجية، وتعزيز الحوار، وبناء جسور التواصل والتفاهم بين الشعوب، كما يشكل فرصة للاحتفاء بالإنجازات التي حققتها الدبلوماسيات حول العالم، وإسهاماتهن الفاعلة في دعم قضايا السلام والتنمية وترسيخ التعاون الدولي، وتكتسب هذه المناسبة هذا العام دلالةً استثنائية، حيث تتزامن مع الاحتفال بمرور مائتي عام على انطلاق الدبلوماسية المصرية، إحدى أعرق المؤسسات الوطنية التي نجحت، عبر تاريخها الممتد، في ترسيخ مكانة مصر على المستويين الإقليمي والدولي، والدفاع عن مصالحها، وتعزيز حضورها في مختلف المحافل الدولية، وخلال هذه المسيرة الزاخرة، قدمت الدبلوماسية المصرية نماذج مشرفة من الرجال والنساء الذين حملوا رسالة الوطن بكفاءة واقتدار، وأسهموا في ترسيخ قيم الحوار والتعاون وخدمة قضايا السلم والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي.
شهدت الدبلوماسية المصرية على مدار قرنين من الزمن، مراحل تاريخية متعاقبة، تفاعلت خلالها مع تحولات إقليمية ودولية، وواجهت تحديات سياسية وأمنية واقتصادية بالغة التعقيد، فضلاً عن أزمات وصراعات شكلت اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على حماية المصالح الوطنية وصون الأمن القومي، ورغم تعاقب الظروف وتبدل موازين القوى، ظلت الدبلوماسية المصرية متمسكة بثوابتها الراسخة، وفي مقدمتها الدفاع عن المصالح الوطنية، واحترام مبادئ القانون الدولي، ودعم الحلول السلمية للنزاعات، وتعزيز الأمن والاستقرار، وترسيخ قيم الحوار والتعاون بين الدول.
وقد أثمرت هذه المسيرة العريقة عن بناء مدرسة دبلوماسية مصرية راسخة، اتسمت بالكفاءة والمهنية والقدرة على التكيف مع المتغيرات الدولية، وأسهمت في ترسيخ مكانة مصر كدولة محورية تتمتع بثقل سياسي وتاريخي في محيطها العربي والأفريقي وعلى الساحة الدولية، وخلال هذه الرحلة الممتدة، برزت كوكبة من أعلام الدبلوماسية المصرية الذين تركوا بصمات خالدة في محطات مفصلية من تاريخ الوطن، وأسهموا بما امتلكوه من خبرة ورؤية استراتيجية وحكمة في إدارة أكثر الملفات تعقيدًا، والدفاع عن مصالح مصر، وتعزيز حضورها في المنظمات والمحافل الدولية، وترسيخ دورها الريادي في دعم قضايا السلام والتنمية والتعاون الإقليمي والدولي، وتؤكد هذه المسيرة الممتدة أن قوة الدبلوماسية المصرية استندت إلى تراكم مؤسسي وخبرات وطنية متعاقبة، استطاعت أن توائم بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الواقع الدولي المتغير، وأن تحافظ على مكانة مصر كفاعل مؤثر وشريك موثوق في معالجة القضايا الإقليمية والدولية.
استطاعت المرأة المصرية في قلب هذه المسيرة الدبلوماسية الممتدة، أن ترسخ حضورها كشريك فاعل في تمثيل الدولة والدفاع عن مصالحها، وأن تثبت، عبر عقود من العمل والعطاء، كفاءتها وقدرتها على الاضطلاع بالمسؤوليات الدبلوماسية بكفاءة واقتدار، فمنذ انضمامها إلى السلك الدبلوماسي، انتقلت من مرحلة المشاركة المحدودة إلى الحضور المؤثر في مختلف مستويات العمل الدبلوماسي، لتتولى مهامًا متنوعة داخل وزارة الخارجية، وفي السفارات والبعثات الدبلوماسية والقنصلية، فضلًا عن تمثيل مصر في المنظمات الإقليمية والدولية، والمشاركة في اللجان والمنتديات متعددة الأطراف، ويعكس هذا التطور ما أولته الدولة المصرية من اهتمام متزايد بتمكين المرأة، انطلاقًا من إيمانها بأن بناء مؤسسات قوية وفاعلة يستلزم الاستفادة من جميع الكفاءات الوطنية دون تمييز، وإتاحة الفرصة أمام المرأة للإسهام في صنع القرار والمشاركة في إدارة الملفات ذات الأولوية، وقد انعكس ذلك في اتساع نطاق حضور الدبلوماسيات المصريات في مواقع المسؤولية، وتوليهن مناصب قيادية داخل وزارة الخارجية، إلى جانب رئاسة البعثات الدبلوماسية والقنصلية، وتمثيل الدولة في أهم المحافل الدولية.
وفي ضوء ذلك أصبحت الدبلوماسية المصرية نموذجًا للتميز المهني والالتزام الوطني، حيث تضطلع الدبلوماسيات المصريات بأدوار محورية في صياغة المواقف السياسية، وإدارة المفاوضات الثنائية ومتعددة الأطراف، وتمثيل مصر في المؤتمرات والقمم الدولية، فضلاً عن الإسهام في تعزيز العلاقات الثنائية، والدفاع عن المصالح الوطنية، ودعم جهود الدولة في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، والترويج لأولويات السياسة الخارجية المصرية على الساحتين الإقليمية والدولية، وقد أكدت التجارب الدولية أن التنوع داخل المؤسسات الدبلوماسية يمثل مصدرًا للقوة والفاعلية، لما يوفره من تعدد في الرؤى والخبرات وأساليب التعامل مع القضايا الدولية المتشابكة، وبالتالي شكل الحضور المتنامي للمرأة في السلك الدبلوماسي المصري إضافة نوعية للعمل الخارجي، وأسهم في تعزيز قدرة الدبلوماسية المصرية على التواصل وبناء التوافقات وإدارة الأزمات، بما يرسخ مكانة مصر ويعكس الصورة الحضارية للدولة المصرية في مختلف المحافل الدولية.
إن الاحتفاء باليوم الدولي للمرأة في الدبلوماسية يحمل رسالة تقدير واعتزاز بكل امرأة اختارت أن تحمل مسؤولية تمثيل وطنها والدفاع عن مصالحه في عالم تتشابك فيه التحديات وتتسارع فيه التحولات، وتتعاظم فيه الحاجة إلى الحوار والتفاهم والتعاون الدولي، هي فن بناء الثقة، وصناعة التوافق، وتهيئة مساحات مشتركة للتعاون بين الشعوب، وهي رسالة وطنية وإنسانية نبيلة تتطلب الحكمة، وبعد النظر، والصبر، والقدرة على إدارة الاختلاف وتحويله إلى فرص للتقارب، وقد أثبتت المرأة المصرية، عبر مسيرتها في العمل الدبلوماسي، امتلاكها لهذه المقومات، وأسهمت بكفاءة واقتدار في تعزيز حضور مصر على الساحة الدولية، والدفاع عن مصالحها، وترسيخ صورتها بوصفها دولة داعمة للسلام والاستقرار والتنمية.
وتكتسب هذه المناسبة أهمية مضاعفة هذا العام، حيث تتزامن مع مرور مائتي عام على انطلاق الدبلوماسية المصرية، بما تمثله من إرث وطني عريق ومدرسة دبلوماسية راسخة أسهمت في صياغة جانب مهم من التاريخ السياسي للدولة المصرية الحديثة، وتمثل هذه الذكرى فرصة لاستحضار جهود الرواد الذين أرسوا تقاليد العمل الدبلوماسي المصري، ورسخوا قيم المهنية والانضباط والنزاهة والولاء للوطن، وأرسوا دعائم مؤسسة استطاعت أن تحافظ على مكانتها المرموقة وأن تتكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية عبر الأجيال، كما تعد هذه المناسبة مناسبة لتكريم جميع من أسهموا في بناء هذا الصرح الوطني، من رجال ونساء حملوا مسؤولية تمثيل مصر في مختلف المحافل الدولية، وأداروا ملفات بالغة الحساسية في أوقات دقيقة من تاريخ الوطن، وسجلوا بمواقفهم الشجاعة وقراراتهم الحكيمة صفحات مشرقة في تاريخ الدبلوماسية المصرية، فقد كتب هذا التاريخ بجهود أجيال متعاقبة آمنت برسالة الدبلوماسية، ويظل الاستثمار في العنصر البشري، وتعزيز مشاركة المرأة، والتمسك بقيم الكفاءة والاحترافية، من أهم الركائز التي تضمن استمرار هذه المؤسسة العريقة في أداء رسالتها، بما يواكب المتغيرات الدولية ويعزز قدرة مصر على الدفاع عن مصالحها والإسهام في بناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وتعاونًا.
ويبقى الأمل معقودًا على الأجيال الجديدة من الدبلوماسيين والدبلوماسيات المصريين لمواصلة مسيرة العطاء والتميز، واستكمال البناء على إرث مؤسسة وطنية عريقة امتد عبر قرنين من الزمان، مستلهمين من تاريخها العريق قيم النزاهة والالتزام والاحترافية، ومتمسكين بالمبادئ التي جعلت من الدبلوماسية المصرية نموذجًا راسخًا في الحكمة والاعتدال والدفاع عن المصالح الوطنية، فالمستقبل يحمل تحديات جديدة تتطلب كوادر مؤهلة تمتلك الكفاءة والرؤية والقدرة على التفاعل مع عالم سريع التغير، بما يعزز مكانة مصر ويصون مصالحها في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، وفي هذه المناسبة، نؤكد أن حضور المرأة في العمل الدبلوماسي أصبح ركيزة أساسية من ركائز قوة الدبلوماسية المصرية، بما تقدمه من كفاءة وخبرة وإسهامات نوعية في دعم السياسة الخارجية للدولة، وترسيخ قيم الحوار والتفاهم والتعاون بين الشعوب.
فكل عام والمرأة الدبلوماسية المصرية أكثر حضورًا وتأثيرًا، وأكثر إسهامًا في بناء عالم يسوده السلام والعدل، ويقوم على الاحترام المتبادل والتعاون من أجل التنمية والاستقرار، كما نتوجه بخالص التهنئة والتقدير إلى وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، وإلى جميع الدبلوماسيين والعاملين بها، بمناسبة مرور مائتي عام على انطلاق الدبلوماسية المصرية، تقديرًا لما بذلوه، وما يزالون يبذلونه، من جهود مخلصة في خدمة الوطن والدفاع عن مصالحه وتعزيز مكانته على الساحتين الإقليمية والدولية، ونسأل الله أن يوفقهم في أداء رسالتهم الوطنية، وأن تواصل الدبلوماسية المصرية مسيرتها الزاخرة بالعطاء والإنجاز، محافظةً على إرثها العريق، ومواكبةً لمتطلبات المستقبل، وحاملةً رسالة مصر في نشر السلام، وتعزيز التعاون، وإعلاء قيم العدالة والاحترام المتبادل بين الأمم.
بقلم
أ.د/ مها عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر